الحكمة في تقديم السلام للمسلِّم وتقديم المسلّم عليه في جانب الرَّاد

وأما السؤال السابع، وهو أنه لِمَ كان في جانب المسلِّم تقديم السلام، وفي جانب الرَّاد تقديم المسلّم عليه؟

فالجواب عنه: أنَّ في ذلك فوائد عديدة:

أحدها: الفرق بين الرد والابتداء، فإنه لو قال له في الرد: السلام عليكم أو سلام عليكم، لم يعرف أهذا ردٌّ لسلامِهِ عليه أم ابتداء تحيةٍ منه، فإذا قال: عليك السلام، عرف أنه قد ردَّ عليه تحيَّتَه، ومطلوبُ المسلِّم من المسلَّم عليه أن يردَّ عليه سلامَه، ليس مقصوده أن يبتدئه بسلام كما ابتدأه به، ولهذا السر -والله أعلم- نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم المسلم عليه بقوله: "عليك السلام" عن ذلك، فقال: "لا تَقُلْ: عليكَ السلام فإن عليْكَ السلام تَحِيَّة المَوْتَى"، وسيأتي الكلام على هذا الحديث ومعناه في موضعه. أفلا ترى كيف نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ابتداء السلام بصيغة الردِّ التي لا تكون إلا بعد تقديم سلام، وليس في قوله: "فإنَّها تحيةُ الموتى" ما يدل على أن المشروع أن تُحيي الموتى كذلك كما سنذكره إن شاء الله، وإذا كانوا قد اعتمدوا الفرقَ بين سلام المبتدئ وسلام الرّادّ، خصُّوا المبتدئَ بتقديم السلام لأنه هو المقصود، وخصُّوا الرادَّ بتقديم الجارِّ والمجرور.

الفائدة الثانية: وهي أن سلامَ الرادّ يجري مجرى الجواب، ولهذا يُكْتَفى فيه بالكلمة المفردة الدالّة على أختها، فلو قال: "وعليك " لكان متضمِّنًا للرد كما هو المشروع في الردِّ على أهل الكتاب، مع أنا مأمورون أن نردّ على من حيَّانا بتحية مثل تحيته، وهذا من باب العدل الواجب لكلِّ أحد، فدلَّ على أن قول الرادّ "وعليك" مماثل لقول المسلم: "سلام عليك"، لكن أعتمد في حق المسلم إعادةَ اللفظ الأوَّل بعينه، تحقيقًا للمماثلة، ودفعًا لتوهُّم المسلِّم عدم ردّ تحيته عليه، لاحتمال أن يردّ عليك شيئا آخر.

وأما أهل الكتاب؛ فلمَّا كانوا يحرِّفون السلام، ولا يعْدِلون فيه، وربما سلَّموا سلامًا صحيحًا غير محرَّف، ويشتبه الأمر في ذلك على الراد، نُدِب إلى اللفظ المفرد المتضمِّن لردِّه عليهم نظير ما قالوه، ولم تُشْرع له الجملة التامة، لأنها إما أن تتضمن من التحريف مثل ما قالوا، ولا يليق بالمسلم تحريف السلام الذي هو تحية أهل الإسلام، ولا سيما وهو ذكر الله كما تقدم، لأجلِ تحريفِ الكافرِ له، وإما أن يرد سلامًا صحيحًا غير محرَّف مع كون المُسَلِّم محرِّفًا للسلام، فلا يستحق الردَّ الصحيح، فكان العدول إلى المفرد، وهو "عليك" هو مقتضى العدل والحكمة مع سلامته من تحريف ذكر الله. فتأمل هذه الفائدة البديعة. والمقصود أن الجواب يكفي فيه قولك:"وعليك"، وإنما كُمِّل تكميلًا للعدل وقطعًا للتوهُّم.

الفائدة الثالثة: وهي أقوى مما تقدَّم: أن المسلّم لما تضمَّن سلامه الدعاء للمسلَّم عليه بوقوع السلامة عليه وحلولها عليه، وكان الردُّ متضمِّنًا لطلب أن يحل عليه من ذلك مثل ما دعا به، فإنه إذا قال: "وعليك السلام" كان معناه وعليكَ من ذلك مثل ما طلبتَ لي، كما إذا قال: "غفرَ الله لك"، فإنك تقول: "ولك يغفر"، ويكون هذا أحسن من قولك: "وغفر لك"، وكذا إذا قال: "رحمة الله عليك" تقول: "وعليك"، وإذا قال: "عفا الله عنك" تقول: "وعنك"، وكذلك نظائره؛ لأن تجريد القصد إلى مشاركة المدعوّ له للدَّاعي في ذلك الدعاء، لا إلى إنشاء دعاء مثل دعائه، فكأنه قال: ولك أيضًا، وعنك أيضًا، أي: وأنت مشارك لي في ذلك مماثل لي فيه، لا أنفردُ به عنكَ ولا أختصُّ به دونك. ولا ريبَ أن هذا المعنى يستدعي. تقديم المشارك المساوي فتأمله.


بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم (2/ 629)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله
hacklink hack forum hacklink film izle hacklink บาคาร่าสล็อตเว็บตรงสล็อตtipobetcialis fiyatmeritkingkayseri escortสล็อตเว็บตรงgiftcardmall/mygiftumzugsfirma wiensitus slot gacorVaycasinobetparkjojobetcratosroyalbetmatbetselçuksportsjojobetmarsbahis girişcasibomvdcasinosahabetCasibommarsbahispusulabetjojobetmarsbahisjojobet girişkiralık hackercratosroyalbetcasibom girişcasibommarsbahiscasibomjojobetalgototomatbetcasibomivermectinmatbetcasibomonwinalanya escort sitesicialiscialis fiyatviagra fiyatviagra 100 mgviagracialis 5 mgmatadorbetmatbetjojobetdeneme bonusu veren sitelercasibom