كشف المرأة وجهها في الإحرام

 

فائدة: سئل ابن عقيل عن كشف المرأة وجهها في الإحرام مع كثرة الفساد اليوم أهو أولى أم التغطية مع الفداء وقد قالت عائشة رضي الله عنها: "لو علم رسول الله ما أحدث النساء لمنعهن المساجد

فأجاب: بأن الكشف شعار إحرامها، ورفع حكم ثبت شرعا بحوادث البدع لا يجوز، لأنه يكون نسخا بالحوادث ويفضي إلى رفع الشرع رأسا، وأما قول عائشة فإنها ردت الأمر إلى صاحب الشرع فقالت: لو رأى لمنع، ولم تمنع هي، وقد حبذ عمر السترة على الأمة وقال: لا تشبهي بالحرائر. ومعلوم أن فيهن من تفتن لكنه لما وضع كشف رأسها للفرق بين الحرائر والإماء جعله فرقا، فما ظنك بكشف وضع بين النسك والإحلال وقد ندب الشرع إلى النظر إلى المرأة قبل النكاح وأجاز للشهود النظر فليس ببدع أن يأمرها بالكشف ويأمر الرجال بالغض ليكون أعظم للابتلاء كما قرب الصيد إلى الأيدي في الإحرام ونهي عنه.

قلت: سبب هذا السؤال والجواب خفاء بعض ما جاءت به السنة في حق المرأة في الإحرام؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لها كشف الوجه في الإحرام ولا غيره، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصة كما جاء بالنهي عن القفازين وجاء النهي عن لبس القميص والسراويل، ومعلوم أن نهيه عن لبس هذه الأشياء لم يرد أنها تكون مكشوفة لا تستر البتة؛ بل قد أجمع الناس على أن المُحرمة تستر بدنها بقميصها ودرعها وأن الرجل يستر بدنه بالرداء وأسافله بالإزار مع أن مخرج النهي عن النقاب والقفازين والقميص والسراويل واحد، وكيف يُزاد على موجب النص ويفهم منه أنه شرع لها كشف وجهها بين الملأ جهارا؟ فأي نص اقتضى هذا أو مفهوم أو عموم أو قياس أو مصلحة؛ بل وجه المرأة كبدن الرجل يحرم ستره بالمفصل على قدره كالنقاب والبرقع، بل ويدها يحرم سترها بالمفصل على قدر اليد كالقفاز، وأما سترها بالكم وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب فلم ينه عنه ألبته.

ومن قال إن وجهها كرأس المحرم =فليس معه بذلك نص ولا عموم ولا يصح قياسه على رأس المحرم، لما جعل الله بينهما من الفرق.

وقول من قال من السلف: إحرام المرأة في وجهها، إنما أراد به هذا المعنى، أي: لا يلزمها اجتناب اللباس كما يلزم الرجل، بل يلزمها اجتناب النقاب فيكون وجهها كبدن الرجل، ولو قُدِّر أنه أراد وجوب كشفه فقوله ليس بحجة ما لم يثبت عن صاحب الشرع أنه قال ذلك وأراد به وجوب كشف الوجه، ولا سبيل إلى واحد من الأمرين، وقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "كنا إذ مر بنا الركبان سدلت إحدانا الجلباب على وجهها" ولم تكن إحداهن تتخذ عودا تجعله بين وجهها وبين الجلباب كما قاله بعض الفقهاء، ولا يعرف هذا عن امرأة من نساء الصحابة ولا أمهات المؤمنين البتة لا عملا ولا فتوى، ومستحيل أن يكون هذا من شعار الإحرام ولا يكون ظاهرا مشهورا بينهن يعرفه الخاص والعام، ومن آثر الإنصاف وسلك سبيل العلم والعدل تبين له راجح المذاهب من مرجوحها وفاسدها من صحيحها والله الموفق والهادي.


بدائع الفوائد (3/ 141)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله