الحكمة في الجمع بين الصبر واليقين في آية السجدة

 

وجمع سبحانه بين الصبر واليقين؛ إذ هما سعادة العبد، وفقدهما يُفقده سعادته، فإن القلب تطرقه طوارق الشهوات المُخالفة لأمر الله، وطوارق الشبهات المخالفة لخبره، فبالصبر يَدفع الشهوات، وباليقين يَدفع الشبهات. فإن الشهوة والشبهة مضادتان للدين من كل وجهٍ، فلا ينجو من عذاب الله إلا من دفع شهواته بالصبر، وشبهاته باليقين.

ولهذا أخبر -سبحانه- عن حبوط أعمال أهل الشهوات والشبهات فقال تعالى: (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) [التوبة: 69]، فهذا الاستمتاع بالخلاق هو استمتاعهم بنصيبهم من الشهوات، ثم قال: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا)، وهذا هو الخوض بالباطل في دين الله وهو خوض أهل الشبهات. ثم قال: (أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [التوبة: 69]، فعلق -سبحانه- حبوط الأعمال في الخسران باتباع الشهوات الذي هو الاستمتاع بالخلاق، وباتباع الشبهات الذي هو الخوض بالباطل.


رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه - ط عطاءات العلم (1/ 18 - 19)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله