من تقسيمات الصبر: أقسامه باعتبار تعلق الأحكام الخمسة به

 

وهو ينقسم بهذا الاعتبار إلى: واجب، ومندوب، ومحظور، ومكروه، ومباح.

فالصبر الواجب ثلاثة أنواع:

أحدها: الصبر عن المحرمات.

والثاني: الصبر على أداء الواجبات.

والثالث: الصبر على المصائب التي لا صنع للعبد فيها كالأمراض والفقر وغيرهما.

وأما الصبر المندوب، فهو: الصبر عن المكروهات، والصبر على المستحبات، والصبر عن مقابلة الجاني بمثل فعله.

وأما الصبر المحظور فأنواع:

أحدها: الصبر عن الطعام والشراب حتى يموت، وكذلك الصبر عن الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة حرام إذا خاف بتركه الموت.

قال طاووس وبعده الإِمام أحمد: من اضطر إلى أكل الميتة والدم فلم يأكل فمات دخل النار.

فإن قيل: فما تقولون في الصبر عن المسألة في هذه الحال؟

قيل: اختلف في حكمه هل هو حرام أو مباح؟ على قولين هما لأصحاب أحمد. وظاهر نصه أن الصبر عن المسألة جائز، فإنه قيل له: إذا خاف إن لم يسأل أن يموت؟ فقال: لا يموت، يأتيه اللَّه برزق، أو كما قال.

فأحمد منع وقوع المسألة، ومتى علم اللَّه ضرورته وصدقه في ترك المسألة قيض له رزقًا.

وقال كثير من أصحاب أحمد والشافعيّ: يجب عليه المسألة، وإن لم يسأل كان عاصيًا؛ لأن المسألة تتضمن نجاته من التلف.

ومن الصبر المحظور صبر الإنسان على ما يقصد هلاكه من سبُعٍ أو حيّة أو حريق أو ماء أو كافر يريد قتله، بخلاف استسلامه وصبره في الفتنة وقتال المسلمين فإنه مباح له بل يستحب الصبر كما دلت عليه النصوص الكثيرة.

وقد سُئِل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن هذه المسألة، فقال: "كُنْ كخير ابنَي آدم"، وفي لفظ: "كُن عبد اللَّه المقتول، ولا تكن عبد اللَّه القاتل" وفي لفظ آخر: "دعه يبوءُ بإثمه وإِثمك"، وفي لفظ آخر: "فإن بَهَرَك شعاعُ السّيف فَضَع يَدَك على وَجْهِك".

وقد حكى اللَّه سبحانه استسلام خير بني آدم وصبره وأثنى عليه بذلك، وهذا بخلاف قتل الكافر، فإنه يجب عليه الدفع عن نفسه؛ لأنّه من مقصود الجهاد أن يدفع عن نفسه وعن المسلمين.

وأما قتال اللصوص، فهل يجب فيه الدفع أو يجوز الاستسلام؟

فإن كان عن معصوم غيره وجب، وأما عن نفسه فظاهر نصّه أنه لا يجب الدفع، وأوجبه بعضُهم.

ولا يجوز الصبر عمّن قصده أو حُرمتَه بالفاحشة.

 وأما الصبر المكروه: فله أمثلة:

أحدها: أن يصبر عن الطعام والشراب واللبس وجماع أهله حتى يتضرر بذلك بدنُه.

الثاني: صبره عن جماع زوجته إذا احتاجت إلى ذلك ولم يتضرر به.

الثالث: صبره على فعل المكروه.

والرابع: صبره عن فعل المستحب.

وأما الصبر المباح، فهو: الصبر عن كل فعلٍ مستوي الطرفين خُيّرَ بين فعله وتركه والصبر عليه.

وبالجملة فالصبر على الواجب واجب وعن الواجب حرام، والصبر عن الحرام واجب وعليه حرام، والصبر على المستحب مستحب وعنه مكروه، والصبر عن المكروه مستحب وعليه مكروه، والصبر عن المباح وعليه مباح، واللَّه أعلم.


عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عطاءات العلم (1/ 54 - 59)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله