حُكمُ من تعذَّر عليه أداءُ الحقِّ الذي فرَّط فيه

 

ومن أحكام التَّوبة: أنَّ من تعذَّر عليه أداءُ الحقِّ الذي فرَّط فيه ولم يمكنه تداركُه، ثمَّ تاب، فكيف حكمُ توبته؟

وهذا يتصوَّر في حقِّ الله وحقوق عباده...

وأمَّا حقوق العباد، فتتصوَّر في مسائل:

إحداها: من غصب أموالًا، ثمَّ تاب، وتعذَّر عليه ردُّها إلى أصحابها أو إلى ورَثتهم لجهله بهم أو لانقراضهم وغير ذلك؛ فاختلف في توبة مثل هذا.

فقالت طائفةٌ: لا توبةَ له إلّا بأداء هذه المظالم إلى أربابها. فإذا كان ذلك قد تعذَّر عليه تعذَّرت عليه التَّوبةُ، والقِصاصُ أمامه يوم القيامة بالحسنات والسّيِّئات ليس إلَّا.

قالوا: فإنّ هذا حقُ آدميٍّ لم يصل إليه، والله تعالى لا يترك من حقوق عباده شيئًا، بل يستوفيها لبعضهم من بعضٍ، ولا يجاوزه ظلمُ ظالمٍ، فلا بدَّ أن يأخذ للمظلوم حقَّه من ظالمه، ولو لَطْمةً، ولو كَلْمةً، ولو رَمْيةً بحجرٍ.

قالوا: وأقربُ ما لهذا في تدارك الفارط منه أن يستكثر من الحسنات ليتمكَّن من الوفاء منها يومَ لا يكون الوفاءُ بدينارٍ ولا درهمٍ، فيتَّجر تجارةً يمكنه الوفاءُ منها. ومن أنفع ما له: الصَّبرُ على ظلم غيره له وأذاه وغيبته وقذفه، فلا يستوفي حقَّه في الدُّنيا ولا يقابله، ليُحيلَ خصمَه عليه إذا أفلس من حسناته؛ فإنَّه كما يؤخذ منه ما عليه، يستوفي أيضًا ما له، وقد يتساويان، وقد يزيد أحدهما على الآخر.

ثمّ اختلف هؤلاء في حكم ما بيده من الأموال، فقالت طائفةٌ: يُوقِفُ أمرَها ولا يتصرَّف فيها البتّة. وقالت طائفةٌ: يدفعها إلى الإمام أو نائبه، لأنّه وكيل أربابها، فيحفظها لهم، ويكون حكمُها حكمَ الأموال الضَّائعة.

وقالت طائفةٌ أخرى: بل بابُ التَّوبة مفتوحٌ لهذا، ولم يُغلق الله عنه ولا عن مذنبٍ بابَ التوبة، وتوبتُه أن يتصدَّق بتلك الأموال عن أربابها. فإذا كان يومُ استيفاء الحقوق كان لهم الخيارُ بين أن يُجيزوا ما فعَل وتكون أجورُها لهم، وبين أن لا يجيزوا ويأخذوا من حسناته بقدر أموالهم فيكون ثوابُ تلك الصَّدقة له، إذ لا يبطل الله سبحانه ثوابَها، ولا يجمع لأربابها بين العوض والمعوَّض، فيغرِّمَه إيَّاها ويجعلَ أجرَها لهم، وقد غُرِّم من حسناته بقدرها.

وهذا مذهب جماعةٍ من الصَّحابة - رضي الله عنهم -، كما هو مرويٌّ عن ابن مسعودٍ، ومعاوية، وحجّاج بن الشّاعر.

فاشترى ابن مسعودٍ من رجلٍ جاريةً، ودخل يزن له الثَّمنَ، فذهب ربُّ الجارية، فانتظره حتّى يئس من عَوده، فتصدَّقَ بالثَّمن وقال: اللهمَّ هذا عن ربِّ الجارية، فإن رضي فالأجرُ له، وإن أبى فالأجرُ لي وله من حسناتي بقدره وغلَّ رجلٌ من الغنيمة، ثمَّ تاب فجاء بما غَلَّه إلى أمير الجيش، فأبى أن يقبله منه وقال: كيف لي بإيصاله إلى الجيش وقد تفرَّقوا؟ فأتى حجَّاجَ بن الشَّاعر فقال: يا هذا إنَّ الله يعلم الجيش وأسماءهم وأنسابهم، فادفع خُمُسَه إلى صاحب الخُمس، وتصدَّقْ بالباقي عنهم، فإنَّ الله يوصل ذلك إليهم ــ أو كما قال ــ ففعَلَ. فلمّا أخبر معاوية قال: لأن أكون أفتيتُك بذلك أحبُّ إليَّ من نصف مُلكي.

قالوا: وكذلك اللُّقَطة إذا لم يجد ربَّها بعد تعريفها ولم يُرِد أن يتملَّكها، تصدَّق بها عنه. فإن ظهر مالكُها خيَّره بين الأجر والضَّمان.

قالوا: وهذا لأنَّ المجهولَ في الشَّرع كالمعدوم، فإذا جُهِلَ المالكُ صار بمنزلة المعدوم. وهذا مالٌ لم يُعلَمْ له مالكٌ معيَّنٌ، ولا سبيل إلى تعطيل الانتفاع به، لما فيه من المفسدة والضَّرر بمالكه والفقراء ومَن هو في يده. أمَّا المالكُ فلعدم وصول نفعه إليه، وكذلك الفقراء. وأمَّا مَن هو في يده فلعدم تمكُّنه من الخلاص من إثمه، فيغرَّمُه يوم القيامة من غير انتفاعٍ به. ومثلُ هذا لا تبيحه شريعةٌ، فضلًا عن أن تأمر به وتوجبَه، فإنَّ الشَّرائع مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان وتكميلها، وتعطيلِ المفاسد بحسب الإمكان وتقليلها؛ وتعطيلُ هذا المال ووقفُه ومنعُه عن الانتفاع به مفسدةٌ محضةٌ لا مصلحةَ فيها، فلا يصار إليه.

قالوا: وقد استقرَّت قواعدُ الشَّرع على أنَّ الإذنَ العرفيَّ كاللَّفظيِّ. فمن رأى بمال غيره موتًا وهو ممَّا يمكن استدراكُه بذبحه، فذبَحَه إحسانًا إلى مالكه ونصحًا له، فهو مأذونٌ له فيه عرفًا وإلَّا كان المالك سفيهًا؛ فإذا ذبحه لمصلحة مالكه لم يضمَنْه، لأنّه محسنٌ، و {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91]؛ وكذلك إذا غصبه ظالمٌ، أو خاف عليه منه، فصالَحَه عليه ببعضه، فسلِمَ الباقي لمالكه، وهو غائبٌ عنه؛ أو رآه آئلًا إلى تَلافٍ محضٍ فباعه، وحفظ ثمنه له، ونحو ذلك= فإنَّ هذا كلَّه مأذونٌ فيه عُرفًا من المالك.

وقد باع عُروة بن الجَعْد البارقيُّ - رضي الله عنه - وكيلُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِلْكَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بغير استئذانه لفظًا، واشترى له ببعض ثمنه مثلَ ما وكَّله في شرائه بذلك الثَّمن كلِّه، ثمَّ جاءه بالثَّمن وبالمشترى، فقَبِله النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ودعا له.

وأشكل هذا على بعض الفقهاء، وبناه على تصرُّف الفضوليِّ، فأُورِدَ عليه أنَّ الفضوليَّ لا يَقبِضُ ولا يُقْبِضُ، وهذا قَبَض وأَقْبَضَ. وبناه آخَرُ على أنَّه كان وكيلًا مطلقًا في كلِّ شيءٍ. وهذا أفسد من الأوّل، فإنّه لا يُعرف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه وكَّل أحدًا وكالةً مطلقةً البتَّة، ولا نقَلَ ذلك عنه مسلمٌ. والصَّواب أنّه مبنيٌّ على هذه القاعدة: أنَّ الإذنَ العرفيَّ كالإذن اللَّفظيِّ، ومن رضي بالمشترَى وخروجِ ثمنه عن مِلْكه، فهو بأن يرضى به ويحصُلَ له الثَّمنُ أشدُّ رضًا.

ونظيرُ هذا: مريضٌ عجز أصحابه في السّفر أو الحضر عن استئذانه في إخراج شيءٍ من ماله في علاجه، وخِيفَ عليه، فإنَّهم يُخرجون من ماله ما هو مضطرٌّ إليه بدون استئذانه بناءً على العرف في ذلك.

ونظائرُ ذلك ممَّا مصلحتُه وحسنُه مستقرٌّ في فِطَر الخلق، ولا تأتي شريعةٌ بتحريمه= كثيرٌ.

وإذا ثبت ذلك، فمن المعلوم أنَّ صاحبَ هذا المال الذي قد حيل بينه وبينه أشدُّ شيءٍ رضًا بوصول نفعه الأخرويِّ إليه، وهو أكرَهُ شيءٍ لتعطيله أو إبقائه مقطوعًا عن الانتفاع به دنيا وأخرى؛ وإذا وصل إليه ثوابُ ماله سرَّه ذلك أعظمَ من سروره بوصوله إليه في الدُّنيا. فكيف يقال: مصلحةُ تعطيل هذا المال عن انتفاع الميِّت والمساكين ومَن هو بيده أرجَحُ من مصلحة إنفاقه شرعًا؟ بل أيُّ مصلحةٍ دينيَّةٍ أو دنيويَّةٍ في هذا التَّعطيل؟ وهل هو إلّا محضُ المفسدة؟

ولقد سئل شيخُنا أبو العبَّاس ابن تيميَّة قدَّس الله روحَه، سأله شيخٌ فقال: هربتُ من أستاذي وأنا صغيرٌ، إلى الآن لم أطَّلع له على خبرٍ، وأنا مملوكٌ، وقد خفتُ من الله، وأريد براءة ذمّتي من حقِّ أستاذي من رقبتي. وقد سألتُ جماعةً من المفتين، فقالوا لي: اذهب، فاقعد في المستودَع! فضحك شيخنا وقال: تصدَّق بقيمتك ــ أعلى ما كانت ــ عن سيِّدك، ولا حاجة لك بالمستودع عبثًا في غير مصلحةٍ، وإضرارًا بك، وتعطيلًا عن مصالحك. ولا مصلحةَ لأستاذك في هذا، ولا لك، ولا للمسلمين. أو نحو هذا من الكلام.

فصل

المسألة الثَّانية: إذا عاوضَ غيرَه معاوضةً محرَّمةً، وقبَض العوضَ ــ كالزَّانية والمغنِّي وبائع الخمر وشاهد الزُّور ونحوهم ــ ثمَّ تاب والعوضُ بيده.

فقالت طائفةٌ: يردُّه إلى مالكه إذ هو عينُ ماله، ولم يقبضه بإذن الشَّارع ولا حصل لربِّه في مقابلته نفعٌ مباحٌ.

وقالت طائفةٌ: بل توبتُه بالتَّصدُّق به، ولا يدفعه إلى من أخذه منه. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله -. وهو أصوَبُ القولين، فإنَّ قابضه إنَّما قبضه ببذل مالكه له ورضاه ببذله، وقد استوفى عوضَه المحرَّمَ، فكيف يجمع له بين العوض والمعوَّض؟ وكيف يردُّ عليه مالًا قد استعان به على معاصي الله، ورضي بإخراجه فيما يستعين به عليها ثانيًا وثالثًا؟ وهل هذا إلّا محضُ إعانته على الإثم والعدوان؟ وهل يناسب هذا محاسنَ الشَّرع أن يقضى للزَّاني بكلِّ ما دفعه إلى من زنى بها، ويؤخذ منها ذلك طوعًا أو كرهًا، فيعطاه وقد نال غرضه منها؟

وهَبْ أنَّ هذا المالَ لم يملكه الآخذُ، فمِلْكُ صاحبِه قد زال عنه بإعطائه لمن أخذه، وقد سلَّم له ما في قُبالته من النَّفع، فكيف يقال: مِلكُه باقٍ عليه ويجب ردُّه إليه؟ وهذا بخلاف أمره بالصَّدقة به، فإنَّه قد أخَذَه من وجهٍ خبيثٍ برضا صاحبه وبذله له فلم يَطِبْ بذلك، وصاحبُه قد رضي بإخراجه عن مِلكه وأن لا يعودَ إليه، فكان أحقَّ الوجوه به صرفُه في المصلحة التي ينتفع بها من قبَضَه، ويخفَّفَ عنه الإثمُ، ولا يُقوَّى الفاجر به ويُعانُ ويُجمَع له بين الأمرين.

وهكذا توبةُ من اختلط مالُه الحلالُ بالحرام، وتعذَّر عليه تمييزُه: أن يتصدَّق بقدر الحرام، ويطيبُ له باقي ماله.

فصل

إذا غصَب مالًا، ومات ربُّه، وتعذَّر ردُّه عليه= تعيَّن عليه ردُّه إلى وارثه. فإن مات الوارثُ ردَّه إلى وارثه، وهلمَّ جرًّا. فإن لم يردَّه إلى ربِّه ولا إلى أحد من ورثته، فهل تكون المطالبةُ به في الآخرة للموروث إذ هو ربُّه الأصليُّ وقد غصَبه عليه، أو للوارث الآخِر إذ الحقُّ قد انتقل إليه؟

فيه قولان للفقهاء، وهما وجهان في مذهب الشَّافعيِّ - رضي الله عنه -.

ويحتمل أن يقال: المطالبة للموروث ولكلِّ واحدٍ من الورثة، إذ كلٌّ منهم قد كان يستحقُّه ويجب عليه الدَّفعُ إليه، فقد ظلمه بترك إعطائه ما وجب عليه دفعُه إليه، فيتوجّه عليه المطالبة له في الآخرة.

فإن قيل: فكيف يتخلَّص بالتَّوبة من حقوق هؤلاء؟

قيل: طريقُ التَّوبة: أن يتصدَّق عنهم بمالٍ تجري منافعُ ثوابه عليهم بقدر ما فات كلَّ واحدٍ منهم من منفعة ذلك المال لو صار إليه، متحرِّيًا للممكن من ذلك. وهكذا لو تطاولت على المال سنون، وقد كان يمكن ربَّه أن ينمِّيه بالرِّبح، فتوبتُه بأن يخرج المالَ ومقدار ما فوَّتَه من ربح ماله.

فإن كان قد ربح فيه بنفسه، فقيل: الرِّبحُ كلُّه للمالك، وهو قولُ الشَّافعيِّ وظاهرُ مذهب أحمد.

وقيل: كلُّه للغاصب، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة. وكذلك لو أودعه مالًا فاتَّجَر به وربح، فربحُه له دون مالكه عندهما وضمانُه عليه.

وفيها قولٌ ثالثٌ: أنّهما شريكان في الرِّبح. وهو روايةٌ عن أحمد، واختيار شيخنا، وهو أصحُّ الأقوال، فيضمُّ حصَّة المالك من الرِّبح إلى أصل المال ويتصدَّق بذلك.

وهكذا لو غصَب ناقةً أو شاةً فنُتِجَتْ أولادًا، فقيل: أولادُها كلُّها للمالك. فإن ماتت أو شيءٌ من النِّتاج ردّ أولادَها وقيمةَ الأمِّ وما مات من النِّتاج. هذا مذهب الشَّافعيِّ وأحمد في المشهور عند أصحابه. وقال مالكٌ: إذا ماتت فربُّها بالخيار بين أخذ قيمتها يوم ماتت وتركِ نتاجِها للغاصب، وبين أخذِ نتاجها وتركِ قيمتها. وعلى القول الثَّالث الرَّاجح يكون عليه قيمتُها وله نصفُ النِّتاج.


مدارج السالكين (1/ 591 - 600 ط عطاءات العلم)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله