أصل غلط أهل السماع أنهم يجعلون الخاصَّ عامًّا والمقيد مطلقًا

 

وأصل غلط هذه الطائفة أنهم يجعلون الخاصَّ عامًّا والمقيد مطلقًا، فيجيئون إلى ألفاظ في كلام الله ورسوله قد أباحتْ أو حَمِدتْ نوعًا من السماع فيُدرِجون فيها سماعَ المكاء والتصدية، ويجيئون إلى المعاني التي دلَّت على الإباحة أو الاستحباب في نوع من الأصوات والسماع، فيجعلونها دالةً على نوع يُضادُّها. وهذا جمعٌ بين ما فرَّق الله ورسوله بينه، بمنزلة من قاس الربا على البيع، والسفاح على النكاح، ونظائر ذلك من الأقيسة الباطلة التي عُبِدَتْ بنظائرها الشمسُ والقمر، وجعلَ أربابُها لله أندادًا سَوَّوهم برب العالمين.

وكذلك من عَدَلَ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرًا يطيعه في كل ما أمر، أو عدلَ بكلام الله كلامًا آخر أو بشرعِه شرعًا آخر، فهذا كله‌‌ من أصول الشرك والضلال. وهذا مقامٌ ينبغي لمن نصحَ نفسَه وعَمِلَ لمعاده تدبُّره والتوقفُ فيه، فإنَّه ما بُدِّلتِ الأديانُ في سالف الأزمنة وهَلُمَّ جرًّا إلا بمثل هذه المقاييس، فمن عَمَدَ إلى كلام الله الذي أنزله وأمر باستماعه، فعَدَلَ به سماعَ بعض الأشعار وآثره عليه، وأخذ ذوقَه ومواجيدَه وصلاحَ قلبه منه، فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا يحبهم كحبّ الله، والذين آمنوا أشدُّ حبًّا لله.

ويا عجبًا لمن ذاق طعم الإيمان كيف يَعدِلُ بالكلام الذي فَضْله على غيره كفضل الله على خلقه، وبالكلام الذي ما تقرَّب العباد إلى الله بأحب إليه منه، كلامًا نزَّه الله رسولَه وأولياءه عنه، وجعله صلاةً للمشركين وقرآنًا لهم، وقرآنًا لعدوه الشيطان، ورقيةً لمحارمه، ومادةً للنفاق. وما أحرى هذا أن يكون من الذين يقولون: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 97 - 98].

ونظيرُ هذا سواءً ما وقع فيه طوائف من الجهال ممن ينتسب إلى معرفة وإرادة وزهد، من الاستدلال بكون الجمال نعمةً على جواز التمتع بالصور الجميلة مشاهدةً ومباشرةً وعشقًا، فهؤلاء في الصور، وأولئك في الأصوات، لكنِ الواقعون في فتنة الصوت منهم من له من العقل والدين والمعرفة ما ليس في الواقعين في فتنة الصور، فإنَّه ليس في أهل الصور رجلٌ مشهور بين الأمة بعلم ودين وسلوك وخير، بخلاف أهل الأصوات، ولكن أهل الأصوات طَرَّقُوا لأهل الصور الطريقَ ونَهَجُوا لهم السبيلَ، ونَقَطُوا لهم فخطُّوا، وارتادوا لهم المنازلَ فحطُّوا، وطيَّبوا لهم السيرَ فساروا، وجدُّوا بهم إلى مطارح الجمال فطاروا، ودَبْدَبُوا لهم فطاب لهم اللعب، وغنَّوا لهم فاستفزَّهم إلى المليح والمليحة الطربُ، ووصفوا لهم سمرَ القدود ووردَ الخدود وتفلُّكَ النهود وسواد العيون وبياض الثغور، ونادَوا: "حيَّ على الوصال" فما وصلُ الحبيب بمحظور، فأجاب القوم مناديَ الهوى إذ نادى بهم بحيَّ على غير الفلاح، وباعوا أنفسَهم بالغَبْن وبذلوها في مرضاةِ الصور الجميلة بذلَ المحبِّ أخي سماح، تاللهِ ما حَمِدُوا عقبى سيرِهم لما حَمِدَ القومُ السُّرى عند الصباح.

ولقد رأيتُ من هؤلاء من يحتجُّ بقوله: "إن الله جميل يحب الجمال"، وينسى قوله: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"، وينسى قوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30]، وينسى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن غضَّ بصرَه أورثه الله حلاوةً يجدها في قلبه إلى يوم يلقاه"، أو كما قال.

ويحتجون بحديث "من عَشِقَ وعفَّ وكتمَ فمات مات شهيدًا "، ولم يعلموا أنَّه خبر موضوع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، اتُّهِم به النقاش ورُمي لأجله بالعظائم.

ويحتجون بحديث روي فيه أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سمع ذلك المنشد ينشده:

هل عليَّ ويحَكُما … إن عَشِقتُ من حرج

فقال: "لا إن شاء الله". وهو حديث وضعه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض الفساق كما تقدم.

ويحتجون بأنَّ العشق والمحبة غير داخلٍ تحت الاختيار، ولا يملك العبدُ دفعَه عن نفسه، وما كان هكذا فإنَّ الله لا يُعذِّب عليه. وينسَون أنَّ تولُّعَهم به وتعاطِيَهم لأسبابه مقدور، وبه يتعلق التكليف، فلما خانت أعينُهم وتمنَّتْ أنفسُهم وأتبَعُوا النظرةَ النظرةَ تمكَّن داء العشق منهم، فعزَّ على الأطباء دواؤه، كما قيل:

تولَّع بالعشق حتى عَشِقْ … فلما استقلَّ به لم يُطِقْ

رأى لُجَّةً ظنَّها مَوجةً … فلما توسَّط منها غَرِقْ

ويُكرِمون صاحب الصورة المليحة على ما يبذل لهم من صورته وشهوده وتوابع ذلك، كما يُكرِم أصحاب السماع ذا الصوت الحسن على ما يبذل لهم من صوته، وإن اجتمع فيه الأمران نال عندهم من الكرامة أعلاها ومن الحُظْوة منتهاها، ولهذا إذا رأى هؤلاء من جمع بين الصورة الجميلة والصوت اللذيذ من غلامة وغلام، عكفوا بقلوبهم وهِمَمِهم عليه، وانقادتْ أسرارهم وجوارحهم إليه، وشَقُّوا عليه القلوب قبل الجيوب، وبذلوا في مرضاته كل مطلوب. وقد زيَّن الشيطان لكثير من هؤلاء أنَّ عشق الصور الجميلة إذا لم يقارنه فاحشة محبة محمودة، وأنها محبة لله وفي الله، وهم نظير أصحاب الأصوات المطربة، فالطائفتان "رَضِيعَا لِبانٍ ثَدْيَ أمٍّ تقاسَما".

والعارف يعلم أنَّ هذا أعظم من مواقعة الكبيرة، فإنَّها معصيةٌ أدنى أحوالِه أن يَذُمَّ نفسَه ويلومَها عليها، ويخاف مقتَ الله وغضبه ولعنته، وأما هذا فمتقرب متعبد بالعكوف على تمثال الجمال، وقد حال بين قلبه وبين ذي العظمة والجلال. فأين مؤمنٌ فاسق قد جمع سيئةً وحسنةً، خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا،

يخاف ذنوبًا لم تَغِبْ عن وليِّه … ويرجوه فيها فهو راجٍ وخائفُ

من مبتدع ضالٍّ يجعل ما نهى الله عنه قربةً، وما كرهه الله دينًا، وهو يرى المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، قد زُيِّنَ له سوءُ عمله فرآه حسنًا. ومن جعل ما لم يأمر الله به ولا أحبه محبوبًا له، فقد شرع دينًا لم يأذن الله به، وذلك باب الشرك، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165]، فإن محبة الصور تعظم حتى تصير أندادًا وطواغيتَ يتدين بها أهلها، ويُشْرَبُ في قلوبهم أعظمَ من حب الذين أُشرِبوا في قلوبهم العجلَ. وكم بين محبة عجلٍ إلى محبة غزالٍ أغيدَ تَسبِيْ محاسنُه القلوبَ وتَأسِرُ العقول؟ فهؤلاء أُشرِبوا في قلوبهم الخِشْفَ، كما أُشرِبَ أولئك في قلوبهم العجلَ.

وهذا بخلاف من مالت نفسه إلى المحرمات مؤمنًا بأنَّ الله حرَّمها، ويَمقُتُ عليها، ويخاف عقابه على فعلها، فإنه لا يحبُّها محبةً محضة، بل عقله وإيمانه يُبغِض ذلك ويكرهه وينهى عنه، ولكن غلبه طبعُه، وهواه يدعوه إلى ارتكابها على خوفٍ ووجلٍ من الله، فهذا يُرجَى له رحمة الله، إما بأن يُوفِّقه لتوبة نصوح تُكفِّر عنه سيئاته، أو يستعمله في طاعة كثيرة وحسنات ماحيةٍ ترجح بسيئاته، وإما بمصائبَ يبتليه بها يُكفّر بها عنه، وإما بغير ذلك من الأسباب التي يرحمه بها. بخلاف من اعتقد أنَّ هذه المحبة لله، فإنَّ طباعه واعتقاده يتعاونان على قوتها وزيادتها، ويجتمع فيها داعي الطبع وما يعتقده من داعي الشرع، وهذا الداء العضال الذي هلك به من هلك، ونجا من سبقت له من الله الحسنى.


الكلام على مسألة السماع (1/289 - 297)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله