الفرق بين الأمر المطلق ومطلق الأمر

فائدة

الأمر المطلق، والجرحُ المُطلق، والعلمُ المُطلق، والترتيبُ المُطلق، والبيعُ المُطلق، والماء المُطلق، والملكُ المُطلق، غيرُ مُطلقِ الأمرِ، والجرح، والعلم … إلى آخرها، والفرق بينهما من وجوه:

أحدها: أن الأمر المطلق لا ينقسمُ إلى أمر الندب وغيره، فلا يكون موردًا للتقسيم. ومطلق الأمر ينقسمُ إلى أمر إيجاب، وأمر نَدْب، فمطلقُ الأمر ينقسمُ، والأمر المطلقُ غيرُ منقسمٍ.

الثاني: أن الأمرَ المطلقَ فردٌ من أفراد مطلق الأمر، ولا ينعكسُ.

الثالث: أن نفيَ مطلَقِ الأمرِ يستلزمُ نفيَ الأمرِ المطلَق، دونَ العكس.

الرابع: أن ثبوت مطلَقِ الأمرِ لا يستلزمُ ثبوتَ الأمرِ المطلَقِ، دون العكس.

الخامس: أن الأمرَ المطلَقَ نوع لمطلق الأمر، ومطلَقُ الأمرِ جنسٌ للأمر المطلق.

السادس: أن الأمرَ المطلقَ مقيدٌ بالإطلاق لفظًا، مجرَّدٌ عن التقييد معنى، ومطلق الأمر مجرَّد عن التقييد لفظًا مستعملٌ في المقيَّد وغيره معنًى.

السابع: أن الأمرَ المطلقَ لا يصلُحُ للمقيَّد، ومطلَقُ الأمرُ يصلُحُ للمطلَقِ والمُقيَّد.

الثامن: أن الأمرَ المطلَقَ هو المُقَيَّدُ بقيْد الإطلاق، فهو متضمِّن للإطلاق والتَّقييد، ومطلق الأمر غير مقيَّد، وإن كان بعض أفراده مقيَّدًا.

التاسع: أن من بعضِ أمثلةِ هذه القاعدة: الإيمان المُطلق ومطلق الإيمان، فالإيمان المطلق لا يطلقُ إلا على الكامل الكمالَ المأمور به، ومطلقُ الإيمان يطلقُ على النَّاقص والكامل، ولهذا نفى النبيُّ صلى الله عليه وسلم الإيمانَ المُطلق عن الزَّاني وشارب الخمر والسَّارق ولم ينفِ عنه مطلق الإيمان، فلا يدخل في قوله: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 68]، ولا في قوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) [المؤمنون: 1]، ولا في قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) [الأنفال: 2]، إلى آخر الآيات، ويدخلُ في قوله: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) [النساء: 92]، وفي قوله: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) [الحجرات: 9]، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يُقْتَل مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ"، وأمثال ذلك.

ولهذا كان قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) [الحجرات: 14] نفيًا للإيمان المطلق لا لمطلق الإيمان لوجوه:

منها: أنَّه أَمرهم أو أَذِن لهم أن يقولوا: أسلمنا، والمنافق لا يقالُ له ذلك.

ومنها: أنَّه قال: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا) ولم يقل: قالَ المنافقونَ.

ومنها: أن هؤلاء هم الجُفَاةُ الذين نَادوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات، ورفعوا أصواتَهم فوقَ صوته غلظة منهم وجفاءً لا نفاقًا وكفرًا.

ومنها: أنه قال: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)، ولم ينْفِ دخولَ الإسلام في قلوبهم، ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلامَ كما نفى الإيمان.

ومنها: أنه قال: (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا)أي: لا ينْقِصكم، والمنافق لا طاعةَ له.

ومنها: أنه قال: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ) [الحجرات: 17]، فأثبت لهم إسلامًا ونهاهم أن يَمُنُّوا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكنْ إسلامًا صحيحًا لقال: لم تُسْلِموا، بل أنتم كاذبون كما كذبهم في قولهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) [المنافقون: 1] لما لم تطابقْ شهادتُهم اعتقادَهم.

ومنها: أنه قال: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ) ولو كانوا منافقينَ لما منَّ عليهم.

ومنها: أنه قال: (أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ) ولا ينافي هذا قوله: (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا) فإنه نفي الإيمان المطلق، ومنَّ عليهم بهدايتهم إلى الإسلام الذي هو متضمِّنٌ لمطلق الإيمان.

ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قَسَم القَسْمَ قال له سعد: أعطيتَ فلانًا وتركتَ فلانًا وهو مؤمن، فقال: "أو مُسْلِمٌ" ثلاث مرات، فأثبت له الإسلامَ دونَ الإيمانِ. وفي الآية أسرارٌ بديعة ليس هذا موضِعَها. والمقصودُ: الفرقُ بين الإيمان المطلقِ ومطلق الإيمان. فالإيمانُ المُطلق يمنعُ دخولَ النار، ومطلق الإيمان يمنع الخلودَ فيها.

العاشر: أنك إذا قلت: الأمرُ المطلقُ فقد أدخلت الَّلام على الأمرِ، وهي تُفيدُ العمومَ والشُّمولَ، ثم وصفته بعد ذلك بالإطلاق، بمعنى: أنه لم يُقَيَّدْ بِقَيدٍ يُوجِبُ تخصيصَه من شرط أو صفة أو غيرهما، فهو عامٌّ في كلِّ فرد من الأفَراد التي هذا شأنُها.

وأما مطلق الأمر؛ فالإضافة فيه ليست للعموم بل للتَّمييز، فهو قَدْرٌ مشتركٌ مطلقٌ لا عامٌّ، فيصدق بفردٍ من أفراده، وعلى هذا فمطلقُ البيع جائزٌ والبيع المطلق ينقسمُ إلى جائز وغيره، والأمر المُطلق للوجوب، ومطلق الأمر ينقسمُ إلى الواجب والمندوب. والماء المطلقُ طَهور، ومطلقُ الماء ينقسم إلى طهور وغيره. والمُلك المطلق هو الذي يثبتُ للحُرِّ، ومطلقُ المُلك يُثبتُ للعبد.

فإذا قيل: العبدُ هل يملكُ أم لا يملكُ؟ كان الصوابُ إثباتَ مطلق المُلك له دون الملك المُطلق.

وإذا قيل: هل الفاسقُ مؤمنٌ أو غيرُ مؤمن؟ فهو على هذا التَّفصيل، والله تعالى أعلم.

فبهذا التحقيق يزولُ الإشكال في مسألة المندوب: هل هو مأمورٌ به أم لا؟ وفي مسألة الفاسق المِلِّي: هل هو مؤمنٌ أم لا؟.


بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم (4/ 1323)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله

مقالات ذات صلة

hacklink hack forum hacklink film izle hacklink บาคาร่าสล็อตเว็บตรงสล็อตonwindeneme bonusu veren siteleronwinสล็อตเว็บตรงsahabetสล็อตเว็บตรง1xbetkaçak iddaa1winสล็อตเว็บตรงสล็อตเว็บตรงonwinonwinbets10ivermectin tabletiptv satın aliptv satın alcasibompadişahbetbetofficegalabetjojobetcialis fiyatbetwoonjojobetjojobetjojobetpokerklasjojobetelexbetjojobetjojobet