توحيد الربوبية لا يكفي للنجاة بدون توحيد الألوهية

  • تنويه: هذه المباحث العلمية جُمعت وحًررت مِن كتب الإمام ابن القيم -رحمه الله-.
(وقت القراءة: 5 - 9 دقائق)

لماذا لا يكفي توحيد الربوبية للدخول في الإسلام؟

العبد لا يدخل بهذا الفناء والشُّهود في الإسلام، فضلًا أن يكون به من المؤمنين، فضلًا أن يكون به من خاصَّة أولياء الله المقرّبين! فإنّ هذا شهودٌ مشتركٌ لأمرٍ أقرَّت به عبّادُ الأصنام وسائرُ أهل الملل أنّه لا خالق إلّا الله. قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لقمان: 25]، (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [الزخرف: 87]. مدارج السالكين (1/ 234 ط عطاءات العلم)

إقرار المشركين بتوحيد الربوبية لم يجعلهم مسلمين

ولا يعلم هذا المغرورُ أنَّ غايةَ ما معه: الفناءُ في توحيد أهل الشِّرك الذي أقرُّوا به ولم يكونوا به مسلمين البتّة، كما قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لقمان: 25]. وقال: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) [المؤمنون: 84 - 89]. وقال: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) [يوسف: 106]. قال ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما: تسألهم من خلق السّماوات والأرض؟ فيقولون: الله، وهم يعبدون غيره.
ومن كان هذا التّوحيدُ والفناءُ فيه غايةَ توحيده انسلخ من دين الله ومن جميع رسله وكتبه، إذ لم يتميَّز عنده ما أمر الله به ممّا نهى عنه، ولم يفرِّق بين أولياء الله وأعدائه، ولا بين محبوبه ومبغوضه، ولا بين المعروف والمنكر؛ فسوَّى بين المتّقين والفجّار، والطّاعة والمعصية؛ بل ليس عنده في الحقيقة إلّا طاعةٌ، لاستواء الكلِّ في الحقيقة التي هي المشيئة العامَّة الشَّاملة.
ثمّ صاحبُ هذا المقام يظنُّ أنّه صاحب الجمع والتّوحيد، وأنّه وصل إلى عين الحقيقة، وإنّما وصل إلى الحقيقة الشّاملة التي يدخل فيها إبليس وجنوده أجمعون وكلُّ كافرٍ ومشركٍ وفاجرٍ، فإنَّ هؤلاء كلَّهم تحت الحقيقة الكونيّة القدريّة. فغايةُ صاحب هذا المشهد وصولُه إلى أن يشهد استواءَ هؤلاء والمؤمنين الأبرار وأولياءِ الله وخاصَّةِ عباده في هذه الحقيقة. مدارج السالكين (1/ 244 – 245 ط عطاءات العلم)

الفناء المشترك: نقد ابن القيم للاكتفاء بتوحيد الربوبية

وأمّا تعلُّقُه بتوحيد الرُّبوبيّة الذي أقرَّ به المشركون عُبَّادُ الأصنام، فغايتُه فناءٌ في تحقيق توحيدٍ مشتركٍ بين المؤمنين والكفّار وأولياء الله وأعدائه، لا يصير به وحده الرّجلُ مسلمًا، فضلًا عن كونه عارفًا محقِّقًا.. مدارج السالكين (1/ 257 ط عطاءات العلم)

لا يكفي توحيد الربوبية، بل لابد من توحيد الألوهية

وأما توحيد الربوبية ــ الذي أقر به المسلم والكافر، وقرره أهل الكلام في كتبهم ــ فلا يكفى وحده، بل هو الحُجَّةُ عليهم، كما بيّن ذلك سبحانه في كتابه في عدة مواضع.
ولهذا كان حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، كما في الحديث الصحيح الذي رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتدري ما حق الله على عباده؟»، قلت: الله ورسوله أعلم! قال: «حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟»، قلت: الله ورسوله أعلم! قال: «حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار».
ولذلك يُحِبُّ سبحانه عباده المؤمنين الموحِّدين ويفرح بتوبتهم، كما أن في ذلك أعظم لذّة العبد وسعادته ونعيمه، فليس في الكائنات شيء غير الله سبحانه يسكن القلب إليه، ويطمئن به، ويأنس به، ويتنعَّم بالتوجه إليه! ومن عبد غيره سبحانه، وحصل له به نوع منفعة ولذة؛ فمضرته بذلك أضعاف أضعاف منفعته، وهو بمنزلة أكل الطعام المسموم اللذيذ، وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما إله غيره سبحانه لفسدتا، كما قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء: 22]، فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله فسد فسادًا لا يُرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود من قلبه، ويكون الله وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه، ويرجوه، ويخافه، ويتوكل عليه، وينيب إليه. إغاثة اللهفان (1/ 45 ط عطاءات العلم)

الشرك في هذه العبودية من أظلم الظلم

اعلم أنّ أنفع المحبة على الإطلاق وأوجَبها وأعلاها وأجلّها محبةُ مَن جُبلت القلوب على محبته، وفطرت الخليقة على تألّهه. وبها قامت الأرضَ والسماوات، وعليها فُطِرت المخلوقات. وهي سرّ شهادة أن لا إله إلا الله، فإنّ "الإله" هو الذي تألَهه القلوبُ بالمحبة والإجلال والتعظيم والذلّ والخضوع، وتعبدُه. والعبادة لا تصحّ إلا له وحده، و"العبادة" هي كمال الحبّ مع كمال الخضوع والذلّ. والشركُ في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله. والله تعالى حيث لذاته من جميع الوجوه، وما سواه وإنّما يُحَبّ تبعًا لمحبته. الداء والدواء (ص532)

توحيد الربوبية وحده لا يكفي في النجاة

وقد ظنَّ كثيرٌ من الصوفية أنَّ التوحيد الخاص أن يشهد العبدُ المحرِّكَ له، ويغيبَ عن المتحرك وعن الحركة، فيغيبَ بشاهده عن حركته، فيشهدَ نفسَه شبحًا فانيًا تجري عليه تصاريف المشيئة، كمن غرق في البحر فأمواجه ترفعُه طورًا وتخفضه طورًا، فهو غائب بها عن ملاحظة حركته في نفسه، بل قد اندرجت حركته في ضمن حركة الموج، فكأنَّه لا حركة له بالحقيقة.
وهذا، وإن ظنَّه كثيرٌ من القوم غايةً، وظنَّه بعضهم لازمًا من لوازم التوحيد، فالصواب أنَّ وراءَه ما هو أجل منه. وغاية هذا الفناءُ في توحيد الربوبية، وهو أن لا يشهد ربًّا وخالقًا ومدبِّرًا إلا اللَّه، وهذا حق، ولكن توحيد الربوبية وحده لا يكفي في النجاة فضلًا عن أن يكون شهودُه والفناءُ فيه هو غاية الموحدين ونهاية مطلبهم.
بل الغاية التي لا غايةَ وراءها ولا نهاية بعدها الفناءُ في توحيد الإلاهية. وهو أن يفنى بمحبة ربه عن محبة كل ما سواه، وبتألهه عن تأله ما سواه، وبالشوق إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه، وبالذلِّ له والفقر إليه من جهة كونه معبودَه وإلهَه ومحبوبَه عن الذل والفقر إلى كلِّ ما سواه، وكذلك يفنى بخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه. فيرى أنَّه ليس في الوجود ما يصلح له ذلك إلا اللَّه، ثمَّ يتصف بذلك حالًا، وينصبغ به قلبه صبغة، ثمَّ يفنى بذلك عمَّا سواه. فهذا هو التوحيد الخاصّ الذي شمَّر إليه العارفون، والورد الصافي الذي حام حوله المحبون. طريق الهجرتين (1/ 59 - 61)

الإقرار والمعرفة بالله حاصلة للكفار

فالإقرار والمعرفة حاصل لمن شهد اللَّه سبحانه له بالكفر مع هذه المعرفة كفرعون وقوم ثمود واليهود الذين شاهدوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وعرفوه كما عرفوا أبناءهم، وهم من أكفر الخلق. عدة الصابرين (ص323)

توحيد الألوهية أكمل من توحيد الربوبية

فما كان له سبحانه فهو متعلق بألوهيته، وما كان به فهو متعلق بربوبيته، [وما تعلق بألوهيته أشرف مما تعلق بربوبيته]، ولذلك كان توحيد الإلهية هو المنجي من الشرك دون توحيد الربوبية بمجرده؛ فإن عباد الأصنام كانوا مقرين بأن اللَّه وحده خالق كل شيء وربُّه ومليكُه، ولكن لما لم يأتوا بتوحيد الإلهية، وهو: عبادته وحده لا شريك له، لم ينفعهم توحيدُ ربوبيته. عدة الصابرين (ص80)

غلط السالكين في ظنهم أن الفناء في توحيد الربوبية

وأمّا غلطُ مَن غلِط من أرباب السُّلوك والإرادة في هذا الباب، فحيث ظنُّوا أنَّ شهودَ الحقيقة الكونيَّة والفناءَ في توحيد الرُّبوبيّة من مقامات العارفين، بل أجلُّ مقاماتهم. مدارج السالكين (1/ 380 ط عطاءات العلم)

القرآن يحتج على المشركين بإقرارهم بربوبية الله

ومن تأمَّل القرآن والسُّنَّة، وسِيَر الأنبياء في أممهم ودعوتهم لهم وما جرى لهم معهم جزم بخطأ أهل الكلام فيما قالوه، وعلمَ أنَّ عامَّة كفر الأمم عن تيقُّنٍ وعلمٍ ومعرفةٍ بصدق أنبيائهم وصحَّة دعواهم وما جاءوا به.
وهذا القرآنُ مملوءٌ من الإخبار عن المشركين عُبَّاد الأصنام أنهم كانوا يقرُّون بالله وأنه هو وحده ربُّهم وخالقُهم، وأنَّ الأرضَ وما فيها له وحده، وأنه ربُّ السموات السبع وربُّ العرش العظيم، وأنه بيده ملكوتُ كلِّ شيء وهو يجيرُ ولا يجارُ عليه، وأنه هو الذي سخَّر الشمسَ والقمر، وأنزلَ المطر، وأخرجَ النبات.
والقرآنُ منادٍ عليهم بذلك، محتجٌّ بما أقرُّوا به من ذلك على صحَّة ما دعتهم إليه رسله. مفتاح دار السعادة (1/ 261)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله

مقالات ذات صلة