طبع هذا الكتاب لأول مرة في المطبعة المنيرية بالقاهرة سنة 1344 بعناية الشيخ محمد منير الدمشقي، وسماه الناشر كتاب "الفوائد". ولم يذكره المترجمون لابن القيم في القديم، ولم يشيروا إلى تأليف له بهذا العنوان في مصادر ترجمته، وإنما اشتهر الكتاب بعد طباعته، ثم ذكره مَن ترجم له من المحدثين.
ويوجد الأصل الوحيد للكتاب ضمن "الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري" لابن عروة الحنبلي (المتوفى سنة 837) المخطوط في دار الكتب الظاهرية بدمشق برقم [567] (المجلد 39، الورقة 145 أ - 200 ب)، وقد عنون له ابن عروة بقوله: "فوائد شتى ونكت حسان من تفسير آية أو حديث أو أثر سلفي، تتعلق بعلم التوحيد القولي العلمي والعملي الإرادي". ثم قال: "وهي من كلام الشيخ الإمام العالم العلامة مفتي المسلمين بحر العلوم أبي عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزُّرعي الشهير بابن قيم الجوزية". ثم قال: "وهي غير بدائع الفوائد له، وهي إما فائدة تعود إلى معرفة أو سلوك، أو تحذير من قاطع، أو تنبيه على مقصود".
ومعنى ذلك أن هذا الكتاب لم يكن له عنوانٌ محدَّد، وإلا ذكره ابن عروة، ولم يقل: "فوائد شتى ونكت حسان … ".
وقد نقل عنه السيوطي في موضعين من "قوت المغتذي على جامع الترمذي" (2/ 610، 817)، وسماه في الموضع الأول: "نكت شتى وفوائد حسان"، وفي الموضع الثاني: "فوائد شتى ونكت حسان"، فكأنه اعتمد على نسخة ابن عروة.
ولما نشره محمد منير الدمشقي اختصر عنوان ابن عروة وسمَّى الكتاب "الفوائد"، ولا غبار عليه فإنه مطابق لمحتوياته، ولذا أبقيناه نظرًا لشهرته لدى القراء والباحثين.
ثم إن ذكره الصريح للإمام ابن القيم يقطع الشك في صحة نسبته إليه، وابنُ عروة من أعرف الناس بآثار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقد احتفظ لنا بنصوصٍ كثيرة منها وفرَّقها في مواضع مختلفة من موسوعته "الكواكب الدراري" لأدنى مناسبة، وبعض هذه الآثار لم تصل إلينا إلّا من طريقه. وهو على دراية تامة بمحتويات الكتاب، والفرق بينه وبين بدائع الفوائد، كما يظهر ذلك من وصفه للكتاب. ولهذا فنحن مطمئنون إلى صحة نسبته لابن القيم.
وإذا نظرنا في الكتاب وجدنا فيه أمورًا أخرى تؤكِّد صحة نسبته إليه، فالمؤلف يذكر في أثنائه ثلاثةً من مؤلفاته: "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية" (ص 4)، و"المعالم" (ص 10) والمقصود به "أعلام الموقعين عن رب العالمين"، و"كتابنا الكبير في القضاء والقدر" (ص 36) ويقصد به "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل".
ثم إنه يذكر شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع عديدة منه بقوله: "شيخنا" (ص 12، 136، 153)، وينقل عنه نصوصًا من كلامه، وهي معروفة له في كتبه التي وصلت إلينا، وقد أشرنا إليها في الهوامش.
وقد سبق أن هناك اتفاقًا بين هذا الكتاب و"بدائع الفوائد" في النقل عن "المدهش" لابن الجوزي، وهذا أيضًا من القرائن على كون مؤلفهما واحدًا.
ونجد في أثناء الكتاب تصريحًا باسم ابن القيم في مواضع مختلفة (ص 4، 136، 152)، وهذا إما أن يكون من المؤلف نفسه كما يفعل ذلك كثير من المؤلفين، وإما أن يكون من تلاميذه والناسخين لكتابه أو من ابن عروة الذي أدرج هذا الكتاب ضمن "الكواكب". وهذه إحدى القرائن القوية لنسبته إلى ابن القيم.
وأخيرًا فإن أسلوب الكتاب هو أسلوب ابن القيم في سائر كتبه، ولا يخفى ذلك على مَن قرأ مؤلفاته باهتمام، وخاصةً تلك المؤلفات التي تتعلق بالسلوك والزهد والتربية. وكثير من الموضوعات التي أوجزها هنا فصَّلها في كتبه الأخرى، وكأن ما في الكتاب خلاصة هذا النوع من مؤلفاته، اقتصر فيه على النكت المستحسنة والفوائد الغالية، وزاد عليها لطائف ودقائق وعبرًا ومواعظ لا توجد في غيره.
الفوائد (مقدمة التحقيق/ 7 - 10)

