الاعتراض الثالث: أن هذا الحديث غير معمول به عند أهل العلم. قال مالك في «الموطأ»: ولم أر أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحدٍ من السلف. وإن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يُلحِق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء، لو رأوا في ذلك رخصةً عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك. تم كلامه.
قال الحافظ أبو محمد المنذري: والذي خشي منه مالك قد وقع بالعجم، فصاروا يتركون المسحِّرين على عادتهم والفوانيس وشعائر رمضان إلى آخر الستة أيامٍ، فحينئذ يُظهرون شعائر العيد.
ويؤيد هذا ما رواه أبو داود في قصة الرجل الذي دخل المسجد وصلى الفرض ثم قام ليتنفل، فقام إليه عمر وقال له: اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك، فبهذا هلك من كان قبلنا، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أصاب الله بك يا ابن الخطاب».
قالوا: فمقصود عمر: أن اتصال الفرض بالنفل إذا حصل معه التمادي وطال الأمد ظنَّ الجهال أن ذلك من الفرض، كما قد شاع عند كثير من العامة أنّ صبحَ يومِ الجمعة خمسَ سجَداتٍ ولا بد، فإذا تركوا قراءة {الم * تَنْزِيلُ} [السجدة] قرؤوا غيرها من سور السجدات.
بل نُهِي عن الصوم بعد انتصاف شعبان حمايةً لرمضان أن يخلط به صوم غيره، فكيف بما يضاف إليه بعده؟!
فيقال: الكلام هنا في مقامين:
أحدهما: في صوم ستة من شوال من حيث الجملة.
والثاني: في وصلها به.
أما الأول فقولكم: إن الحديث غير معمول به، باطل. وكون أهل المدينة في زمن مالك لم يعملوا به لا يوجب ترك الأمة كلهم له، وقد عمل به أحمد والشافعي وابن المبارك وغيرهم.
قال ابن عبد البر: لم يبلغ مالكًا حديث أبي أيوب، على أنه حديث مدني، والإحاطة بعلم الخاصة لا سبيل إليه، والذي كرهه مالك قد بينه وأوضحه: خشية أن يضاف إلى فرض رمضان، وأن يسبق ذلك إلى العامة، وكان متحفّظًا كثير الاحتياط للدين. وأما صوم الستة الأيام على طلب الفضل، وعلى التأويل الذي جاء به ثوبان، فإن مالكًا لا يكره ذلك إن شاء الله، لأن الصوم جُنّة وفضله معلوم: يدع طعامه وشرابه لله، وهو عمل برٍّ وخير، وقد قال تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77]. ومالك لا يجهل شيئًا من هذا، ولم يكره من ذلك إلا ما خافه على أهل الجهالة والجفاء إذا استمر ذلك، وخشي أن يُعَدَّ من فرائض الصيام مضافًا إلى رمضان.
وما أظن مالكًا جهل الحديث، لأنه حديث مدني انفرد به عمر بن ثابت. وأظن عمر بن ثابت لم يكن عنده ممن يعتمد عليه، وقد ترك مالك الاحتجاج ببعض ما رواه عمر بن ثابت. وقيل: إنه روى عنه، ولو لا علمه به ما أنكر بعض شيوخه إذا لم يثق بحفظه لبعض ما يرويه. وقد يمكن أن يكون جهل الحديث، ولو عَلِمه لقال به. هذا كلامه.
وقال عياض: أخذ بهذا الحديث جماعة من العلماء، وروي عن مالك وغيره كراهية ذلك، ولعل مالكًا إنما كره صومها على ما قال في «الموطأ» أن يعتقد من يصومه أنه فرض، وأما على الوجه الذي أراده النبي - صلى الله عليه وسلم - فجائز.
وأما المقام الثاني، فلا ريب أنه متى كان في وصلها برمضان مثل هذا المحذور كُرِه أشدَّ الكراهة، وحمي الفرض أن يُخلَط به ما ليس منه، ويصومها في وسط الشهر أو آخره. وما ذكروه من المحذور فدفعه والتحرُّز منه واجب، وهو من قواعد الإسلام.
فإن قيل: الزيادة في الصوم إنما يخاف منها لو لم يفصل بين ذلك بفطر يوم العيد، فأما وقد تخلل فطر العيد فلا محذور. وهذا جواب أبي حامد الإسفراييني وغيره.
قيل: فطر العيد لا يؤثر عند الجهلة في دفع هذه المفسدة، لأنه لما كان واجبًا فقد يرونه كفطر يوم الحيض لا يقطع التتابع واتصال الصوم، فبكل حال ينبغي تجنب صومها عقب رمضان إذا لم تؤمن هذه المفسدة. والله أعلم.
تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم (2/ 144 -147)